محمد بن جرير الطبري
124
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران لقومه من بني إسرائيل : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ التي أنعم بها عليكم إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يقول : حين أنجاكم من أهل دين فرعون وطاعته . يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ : أي يذيقونكم شديد العذاب . وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وأدخلت الواو في هذا الموضع لأنه أريد بقوله : وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ الخبر عن أن آل فرعون كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح . وأما في موضع آخر من القرآن ، فإنه جاء بغير الواو : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ في موضع ؛ وفي موضع : يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ولم تدخل الواو في المواضع التي لم تدخل فيها لأنه أريد بقوله : يُذَبِّحُونَ وبقوله : يُقَتِّلُونَ تبيينه صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم ، وكذلك العمل في كل جملة أريد تفصيلها فبغير الواو تفصيلها ، وإذا أريد العطف عليها بغيرها وغير تفصيلها فالواو . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، في قوله : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ : أيادي الله عندكم وأيامه . وقوله : وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يقول : ويبقون نساءكم فيتركون قتلهن ؛ وذلك استحياؤهم كان إياهن . وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، ومعناه : يتركونهم ، والحياة : هي الترك . ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم " بمعنى : استبقوهم فلا تقتلوهم . وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ يقول تعالى : وفيما يصنع بكم آل فرعون من أنواع العذاب بلاء لكم من ربكم عظيم : أي ابتلاء واختبار لكم من ربكم عظيم . وقد يكون البلاء في هذا الموضع نعماء ، وقد يكون معناه : من البلاء الذي قد يصيب الناس في الشدائد وغيرها . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ يقول جل ثناؤه : واذكروا أيضا حين آذنكم ربكم . وتأذن : تفعل من أذن ، والعرب ربما وضعت " تفعل " موضع " أفعل " ، كما قالوا : أوعدته وتوعدته بمعنى واحد ، وآذن : أعلم ، كما قال الحرث بن حلزة : آذنتنا بينهما أسماء * رب ثاو يمل منه الثواء يعني بقوله : آذنتنا : أعلمتنا . وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ " وإذ قال ربكم " . حدثني بذلك الحارث ، قال : ثني عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش عنه ؛ حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ : وإذ قال ربكم ذلك التأذن . وقوله : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ يقول : لئن شكرتم ربكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم لأزيدنكم في أياديه عندكم ونعمه عليكم على ما قد أعطاكم من النجاة من آل فرعون والخلاص من عذابهم . وقيل في ذلك قول غيره ، وهو ما : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا الحسن بن الحسن ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : سمعت علي بن صالح ، يقول في قول الله عز وجل : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ قال : أي من طاعتي . حدثني المثنى ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا ابن المبارك قال : سمعت علي بن صالح ، فذكر نحوه . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان : لَئِنْ شَكَرْتُمْ